أخبار عاجلة

هندسة العداء: الجذور العقائدية لحرب الحركة الحوثية على المقدسات ورموز الإسلام

top-news

كتب / د.عبدالله المسوري



لم يكن توجيه الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة نحو المحيط الجغرافي لقبلة المسلمين مجرد خطأ عسكري أو تجاوز ميداني عابر، بل هو ذروة التجلي العملي لبنية أيديولوجية عميقة تتأسس على عداء تاريخي وعقائدي للمنظومة الإسلامية الجامعة. 
ففي كل مرة تعلن فيها السلطات عن اعتراض مقذوف حوثي في سماء مكة المكرمة، يسقط قناع جديد عن وجه هذه الحركة التي تحاول التستر برداء الدين، بينما تكشف ممارساتها على الأرض عن قطيعة جذرية مع مقدسات الأمة وروح رسالتها. 
هذا الاستهداف الممنهج لأقدس بقاع الأرض لا يمكن قراءته بمعزل عن سياق أوسع من الحرب المفتوحة التي تشنها المليشيا على كل ما يمت للإسلام بصلة، بدءاً من تدمير دور تحفيظ القرآن الكريم وإغلاق مراكزه، مروراً باعتقال وقتل وتشريد حفظة كتاب الله، وصولاً إلى تحويل المساجد إلى ثكنات عسكرية ومنصات للتعبئة الطائفية، بعد إخلاء منابرها من أئمتها وتوطين خطاب مشبع بالكراهية.
ولفهم هذه الحالة العدائية، ينبغي تفكيك الجذور الفكرية التي تتكئ عليها الحركة الحوثية، والتي لم تعد تمت بصلة للموروث الزيدي التقليدي الذي تعايش مع المحيط السني في اليمن لقرون، بل خضعت لعملية إعادة هندسة شاملة استنسخت نموذج "ولاية الفقيه" الإيراني. لقد أنتجت هذه الهندسة أدبيات تأسيسية تطفح بالطعن في مصادر التشريع والتشكيك في رموز الرعيل الأول للإسلام، وهو شحن عقائدي تُرجم ميدانياً إلى "تطهير طائفي" ممنهج. 
وكانت أولى محطاته الكبرى فرض حصار خانق على آلاف من دارسي العلوم الشرعية في شمال اليمن وتهجيرهم قسرياً، في رسالة واضحة مفادها أن مشروع الجماعة لا يقبل التعايش مع المكونات الإسلامية الأصيلة، بل يسعى لاجتثاثها وإحلال مشروعه الخاص بدلاً منها.
ولا تنفصل هذه الممارسات المعاصرة عن إرث تاريخي أسود لتيارات باطنية وسلالية استباحت الحرم المكي وتفننت في ترويع ضيوف الرحمن. وإذا كانت الذاكرة الإسلامية تستحضر فظائع "القرامطة"، فإن الأدبيات التي تُمجدها المرجعيات الحوثية اليوم تحتفي بقادة تاريخيين ارتكبوا فظائع لا تقل دموية بحق مكة وساكنيها. 
فقد شهد القرن الثالث الهجري زحفاً عسكرياً قاده إسماعيل الأخيضر، الذي فرض حصاراً مميتاً على سكان مكة حتى أهلكهم جوعاً، واستباح دماء الحجاج في مشعر عرفة، ونهب كسوة الكعبة ونفائسها وصادر أموال الحجاج.
 وتكرر المشهد التخريبي في القرن الحادي عشر الهجري بحملة احتلال قادها "المؤيد بالله"، عاثت فساداً في مكة وعطلت شعيرة الحج. بل إن هذه العقلية الاستعلائية بلغت ببعض أئمتهم التاريخيين، كعبدالله بن حمزة، إلى إصدار فتاوى تسقط فريضة الحج عن أتباعهم بحجة أن الطريق إلى الكعبة يمر عبر أراضي مخالفيهم من المسلمين. 
وفي السياق ذاته، تحترف آلتهم الإعلامية اليوم تزييف التاريخ لصناعة مظلوميات وهمية، كترويجهم لما يُعرف بـ"حادثة تنومة" على أنها مجزرة بحق حجاج يمنيين، بينما تؤكد المصادر التاريخية المحايدة أنها كانت حملة عسكرية مدججة بالسلاح في طريقها لإسناد تمرد مسلح، وهو تكتيك يعكس ولع الجماعة بتغليف الأعمال الحربية برداء المظلومية.
وتكتمل فصول هذه المسرحية العبثية عند وضع شعارات الجماعة الرنانة في ميزان الواقع. فالحركة التي تصم الآذان بشعار "الموت لأمريكا وإسرائيل" لتوظيفه كرافعة للتعبئة وحشد الأتباع، هي ذاتها التي تجلس قياداتها في غرف المفاوضات السرية والعلنية مع الدبلوماسيين ومسؤولي الاستخبارات الأمريكية في العاصمة العمانية مسقط، لتقديم الضمانات الأمنية والالتزام بحماية المصالح المتبادلة وطرق الملاحة الخاصة بخصومها المزعومين. هذه البراغماتية الفجة تكشف المفارقة المركزية لحقيقة الحوثيين: جماعة تعقد الصفقات وتتبادل التعهدات مع واشنطن، بينما تدخر صواريخها الباليستية ومسيّراتها الانتحارية لقصف مكة المكرمة، وتوجه بنادقها لصدور حفظة القرآن وتدمير مساجد المسلمين. إن هذا التناقض الصارخ لا يترك مجالاً للشك في أننا أمام أداة وظيفية لمشروع سياسي مؤدلج، يرتدي مسوح الدين ليهدم أركانه، جاعلاً من استهداف القبلة ومحاربة الهوية الإسلامية الجامعة هدفاً استراتيجياً يؤكد لكل ذي بصيرة أن هذه الجماعة لا تمت للإسلام والمسلمين بأي صلة.

image

اقرأ أيضاً

image

تدشين المخيم الطبي لجراحة العيون بمستشفى رؤية بالمكلا

  • 2025-08-19 (أخبار حضرموت) Reporter 12

جريدتنا اليومية

انضم إلينا لتبقى مواكباً لأحدث
التطورات المحلية والعالمية

اخترنا لك

  1. الرئيسية

    2021-09-07 (home) وكالات

  2. أخبار حضرموت

    2021-09-07 (hadramout-news) وكالات

  3. أخبار المحافظات

    2021-09-07 (governorates-news) وكالات

  4. أخبار عالمية

    2021-09-07 (world-news) وكالات

  5. تقارير

    2021-09-07 (reports) وكالات