هربوا من الموت… فمن يحميهم من الموت الذي يلاحقهم؟
كتب /المحامي د. أسامة الأصبحي
هربوا من الموت، لكن الموت لم يتركهم.
خرجوا من بيوتهم تحت الخوف، حملوا أطفالهم، وتركوا خلفهم أبوابا أُغلقت، وذكريات لم تكتمل، وأعمالا ومصادر رزق لم يعودوا إليها.
لم يحملوا معهم سوى ما استطاعت أيديهم حمله وبعض الأمل.
لكن ماذا يحدث عندما يصل النازح إلى المكان الذي ظن أنه آمن؟
يكتشف أحيانا أن الحرب انتهت بالنسبة إليه في المكان الأول، لكنها بدأت بشكل آخر في المكان الجديد.
جوع ينهش الأسرة، ومرض بلا علاج، وطفل بلا مدرسة، وأم لا تعرف أين ستنام غدا، وأب عاجز عن تأمين أبسط احتياجات أسرته.
هذه ليست حياة.
هذا موتٌ بطيء، لكنه لا يظهر في نشرات الأخبار.
النزوح ليس مجرد انتقال من مكان إلى آخر.
النزوح أن تُقتلع من حياتك دون أن تختار، وأن تتحول في ليلة واحدة من إنسان لديه بيت وعمل وأمان إلى إنسان يبحث عن سقف يحمي أطفاله من الليل.
والله إن النزوح وجع لا يعرفه من يتحدث عنه من خلف المكاتب، وإنما يعرفه من حمل طفلا خائفا ومشى به في طريق لا يعرف نهايته.
ولهذا لا بد أن نقولها بوضوح:
النازح ليس متسولا، وليس عبئا، وليس رقمًا في تقرير.
إنه إنسان له كرامة، وله حقوق، وله الحق في الحماية والمأوى والغذاء والعلاج والتعليم والأمان.
ومن يهرب من الحرب لا يجوز أن يُترك فريسة للجوع أو المرض أو الاستغلال أو التمييز أو الانتهاكات.
إلى الحكومة، وإلى المنظمات الإنسانية، وإلى كل جهة تستطيع أن تفعل شيئا:
لا تنتظروا أن يموت النازح حتى يصبح قضيته خبرا نتداوله ،تحركوا قبل الكارثة.
أمّنوا طرقا آمنة، وفّروا المأوى والغذاء والعلاج، احموا الأطفال والنساء وكبار السن وذوي الاحتياجات الخاصة، واضمنوا وصول المساعدات إلى مستحقيها دون فساد أو عوائق أو تمييز.
واحترموا مبدأ عدم الإعادة القسرية، فلا يجوز أن يُدفع إنسان إلى مكان يخشى فيه على حياته أو سلامته.
نحن لا نحتاج اليوم إلى مزيد من الكلمات المنمقة، ولا إلى بيانات تضامن تُنشر ثم تُنسى.
نحتاج فعلا ينقذ إنسانا.
لأن وراء كل خيمة قصة بيتٍ تهدم، ووراء كل طفل نازح طفولة سُرقت، ووراء كل أم قلقة وطنٌ لم يعد آمنا.
فلا تجعلوا النزوح جريمةً ثانية بحق من نجا من الجريمة الأولى.
أنقذوا من هربوا من الموت، قبل أن يتحول النزوح نفسه إلى موت بطيء.
فالإنسان الذي فقد بيته لا ينبغي أن يفقد حقه في الحياة.
النازح إنسان قبل أن يكون نازحا وكرامته ليست منحة من أحد، بل حق لا يجوز انتهاكه.
اقرأ أيضاً
تدشين المخيم الطبي لجراحة العيون بمستشفى رؤية بالمكلا
جريدتنا اليومية
انضم إلينا لتبقى مواكباً لأحدث
التطورات المحلية والعالمية
